الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
347
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
« رضوان اللّه كلّ غمرة » أي : شدّة ، والأصل فيها اللجّة ، ذكروا أنّ قريشا اجتمعت إلى أبي طالب والنبيّ صلى اللّه عليه وآله عنده ، فقالوا : نسألك من ابن أخيك النصف . قال : وما النصف منه قالوا : يكفّ عنّا ونكفّ عنه ، فلا يكلّمنا ولا نكلمّه ، ولا يقاتلنا ولا نقاتله ، ألا إنّ هذه الدعوة قد باعدت بين القلوب ، وزرعت الشحناء ، وأنبتت البغضاء . فقال : يا ابن أخي أسمعت قال : يا عمّ لو أنصفني بنو عمي لأجابوا دعوتي وقبلوا نصيحتي ، إنّ اللّه تعالى أمرني أن أدعو إلى دين الحنيفية ملّة إبراهيم ، فمن أجابني فله عند اللّه الرضوان والخلود في الجنان ، ومن عصاني قاتلته حتّى يحكم اللّه بيننا ، وهو خير الحاكمين . فقالوا : قل له يكفّ عن شتم آلهتنا ، فلا يذكرها بسوء . فنزل : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ . . . ( 1 ) قالوا : إن كان صادقا فليخبرنا من يؤمن منّا ، ومن يكفر فان وجدناه صادقا آمنّا به فنزل : ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ . . . ( 2 ) . قالوا : واللّه لنشتمنّك وإلهك . فنزل : وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ . . . ( 3 ) . قالوا : قل له : فليعبد ما نعبد ، ونعبد ما يعبد . فنزلت سورة الكافرين . فقالوا : قل له : أرسله اللّه إلينا خاصّة أم إلى الناس كافّة قال : بل إلى الناس أرسلت كافّة ، إلى الأبيض والأسود ، ومن على رؤوس الجبال ، ومن في لجج البحار ، ولأدعونّ ألسنة فارس والروم : . . . يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . . ( 4 ) . فتجبّرت قريش واستكبرت وقالت : واللّه لو سمعت بهذا فارس والرّوم
--> ( 1 ) الزمر : 64 . ( 2 ) آل عمران : 179 . ( 3 ) ص : 6 . ( 4 ) الأعراف : 158 .